دور الخدمة الاجتماعية في معالجة إدمان المؤثرات العقلية

دور الخدمة الاجتماعية في معالجة إدمان المؤثرات العقلية

مقدمة

يُعد إدمان المؤثرات العقلية أحد أبرز التحديات الصحية والاجتماعية في العصر الحديث، إذ لا يقتصر أثره على صحة الفرد الجسدية والنفسية، بل ينعكس أيضًا على الأسرة والمجتمع ومؤسسات التعليم والعمل. وتبرز الخدمة الاجتماعية هنا كعلم ومهنة إنسانية تسعى إلى مساعدة الأفراد على التكيف، واستعادة قدراتهم، وتحسين جودة حياتهم، وذلك من خلال ممارسات مهنية تستند إلى أسس علمية وأخلاقية واضحة.

ولا تقتصر المؤثرات العقلية على المواد المخدرة التقليدية فحسب، بل تشمل أيضًا العقاقير الطبية المسكنة والمنومات والمنشطات ومشتقات المورفين، إضافة إلى أنماط حديثة من الإدمان مثل الإدمان السلوكي أو ما يعرف بـ “المؤثرات الرقمية”. ولهذا أصبح دور الأخصائي الاجتماعي ضرورة محورية في برامج الوقاية والتشخيص والعلاج.

أولاً: ماهية المؤثرات العقلية وأسباب الإدمان

ما المقصود بالمؤثرات العقلية؟

هي مواد أو عقاقير تؤثر مباشرة على الجهاز العصبي، وتُغيّر حالة الوعي أو المزاج أو السلوك، وقد تؤدي مع مرور الوقت إلى التعود ثم الاعتماد وصولًا إلى الإدمان.

أبرز أسباب الإدمان:

  • ضعف الروابط الأسرية أو غياب الدعم الأسري.
  • الضغوط النفسية والاجتماعية.
  • رفقاء السوء والتأثير الاجتماعي.
  • الصدمات النفسية وتجارب الطفولة السلبية.
  • الاضطرابات النفسية المصاحبة مثل القلق والاكتئاب.
  • الفراغ وضعف الأنشطة البديلة.

ثانياً: دور الخدمة الاجتماعية في مراحل معالجة الإدمان

تعمل الخدمة الاجتماعية ضمن فريق متعدد التخصصات يضم الطبيب النفسي، والأخصائي النفسي، والأخصائي الاجتماعي، والمرشد الأسري، والمعالج السلوكي. ويتوزع التدخل الاجتماعي على أربع مراحل رئيسية:

1. مرحلة التقييم والتشخيص الاجتماعي

  • التاريخ الأسري والعلاقات داخل الأسرة.
  • الظروف المعيشية والاقتصادية.
  • مستوى الدعم والتقبل الأسري.
  • تحديد الضغوط أو المشكلات التي دفعت إلى الإدمان.
  • دراسة أنماط السلوك والعلاقات الاجتماعية.

وتُستخدم في هذه المرحلة عدة أدوات مهنية مثل المقابلة، الزيارة المنزلية، والملاحظة المباشرة.

2. مرحلة العلاج الاجتماعي

  • العلاج الفردي: مساعدة المدمن على فهم ذاته وأسباب لجوئه للمادة.
  • العلاج الأسري: توعية الأسرة بدورها في الدعم والاحتواء بعيدًا عن اللوم.
  • العلاج الجمعي: تعزيز الدعم المتبادل بين المتعافين داخل مجموعات علاجية.
  • برامج تعديل السلوك: مثل التعزيز الإيجابي وإدارة الضغوط.

وتقوم فلسفة العلاج الاجتماعي على أن: الإنسان ليس هو الإدمان؛ بل هو شخص مرّ بتجربة مؤلمة يحتاج إلى فهم ودعم ورعاية.

3. مرحلة التأهيل النفسي والاجتماعي

  • مساعدته في العودة للدراسة أو العمل.
  • تدريبه على مهارات الحياة اليومية.
  • تنمية مهارات حل المشكلات واتخاذ القرار.
  • بناء شبكة اجتماعية داعمة بدلاً من العلاقات السلبية السابقة.

4. مرحلة المتابعة بعد العلاج

  • زيارات دورية.
  • مقابلات شخصية.
  • دعم نفسي مستمر.
  • إعداد خطة لمواجهة محفّزات العودة للتعاطي.
  • إشراك المتعافي في مجموعات الدعم طويل المدى.

ثالثاً: البرامج الوقائية في الخدمة الاجتماعية

يؤدي الأخصائي الاجتماعي دورًا محوريًا في الوقاية داخل المدارس، الجامعات، مراكز الشباب، السجون، والمؤسسات الصحية. وتشمل برامج الوقاية:

  • نشر الوعي الصحي بمخاطر الإدمان.
  • تدريب الطلاب والشباب على مهارات إدارة الضغوط.
  • الكشف المبكر عن المؤشرات السلوكية والنفسية.
  • تنفيذ حملات توعية بالتعاون مع الجهات الصحية.

رابعاً: دور الأسرة والمجتمع

  • بيئة آمنة مستقرة.
  • دعم عاطفي غير مشروط.
  • تفهّم بدلاً من اللوم.
  • متابعة سلوكية دون قسوة.
  • تشجيع وتحفيز مستمر.

خاتمة

إن معالجة إدمان المؤثرات العقلية ليست مجرد علاج دوائي أو نفسي، بل هي رحلة إعادة بناء حياة كاملة. ويأتي دور الخدمة الاجتماعية ليعيد للإنسان اتزانه ووعيه وقدرته على الاستمرار، من خلال رؤية إنسانية شاملة تعتبر المدمن فردًا يستحق فرصة جديدة.

فالخدمة الاجتماعية ليست مهنة مساعدة فحسب، بل رسالة إنسانية تعيد للإنسان كرامته وقدرته على العيش بسلام.

إذا أعجبتك هذه المشاركة، شاركنا رأيك في التعليقات ولا تنسَ مشاركة المقالة على وسائل التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فن المقابلة المهنية: كيف تبني علاقة ثقة قوية في أول 10 دقائق؟

5معضلات تواجه الأخصائي الاجتماعي في العمل الميداني: فن اتخاذ القرار الأخلاقي ⚖️

الممارسة العامة في الخدمة الاجتماعية: إطار عمل تكاملي في التدخل المهني