حين يتكلم الألم…

 

حين يتكلم الألم: كيف يكشف الأخصائي الاجتماعي الطبي ما عجزت عنه الأجهزة

الألم الجسدي قد يكون أحيانًا لغة بديلة للتعبير النفسي المكبوت. في هذا المقال، نستعرض دراسة حالة حقيقية تُظهر دور الأخصائي الاجتماعي الطبي في كشف الألم النفسي وراء الأعراض الجسدية، وتحقيق التعافي النفسي للمريض.

💠 وصف الحالة

سيدة تبلغ من العمر 42 عامًا تُدعى "مريم" (اسم مستعار)، مراجعة متكررة لقسم الطوارئ تشكو من آلام صدرية شديدة وضيق في التنفس. خضعت لجميع الفحوص الطبية الممكنة: تخطيط قلب، أشعة، وتحاليل، وكانت النتائج دائمًا طبيعية.

مع تكرار الزيارات وازدياد القلق لديها، تم تحويلها إلى قسم الخدمة الاجتماعية الطبية بناءً على توصية الطبيب المشرف.

🧩 المقابلة الأولى

استقبلها الأخصائي الاجتماعي بلغة داعمة وهادئة وبدأ بجمع المعلومات وفق منهج المقابلة نصف الموجهة. من خلال الإنصات الفعّال، لاحظ أن مريم تتحدث عن فقدان ابنها الوحيد قبل عامين وعن شعورها بالذنب لأنها لم تستطع إنقاذه. كانت تقول:

"كلما تذكّرته... أشعر أن صدري ينقبض، كأن قلبي لا يحتمل الفقد."

بدأ يتضح أن الألم الجسدي هو تعبير رمزي عن ألم نفسي غير معالج.

🧠 تدخل الأخصائي الاجتماعي

اعتمد الأخصائي خطة تدخل مكونة من 5 مراحل:

  • 1. بناء العلاقة المهنية:

    • توفير بيئة آمنة وغير حكمية.
    • استخدام مهارات الإصغاء، عكس المشاعر، والتلخيص.
  • 2. التقييم الشامل:

    • تحليل العلاقة بين الأعراض الجسدية والانفعالات النفسية.
    • استخدام نموذج الطب الحيوي–النفسي–الاجتماعي (Bio-Psycho-Social Model) لتشخيص العوامل المترابطة.
  • 3. التدخل الإكلينيكي:

    • تطبيق العلاج الداعم (Supportive Counseling) والتنفيس الانفعالي (Catharsis) عبر التحدث عن الذكريات المؤلمة في بيئة آمنة.
    • استخدام تقنيات الاسترخاء التنفسي عند الشعور بالألم الجسدي.
    • تدريب المريضة على استراتيجيات التعامل مع الذنب والحزن عبر إعادة صياغة الأفكار (Cognitive Reframing).
  • 4. التمكين الاجتماعي:

    • ربط المريضة بمجموعة دعم للأمهات المفجوعات تحت إشراف الأخصائيين الاجتماعيين.
    • تشجيعها على العودة التدريجية لمهاراتها الاجتماعية السابقة مثل العمل التطوعي.
  • 5. التقييم والمتابعة:

    • بعد 6 جلسات أسبوعية، انخفضت زياراتها للطوارئ بنسبة 90%.
    • أصبحت قادرة على النوم والتعامل مع الذكريات دون ألم حاد.

🌿 الدروس المهنية المستفادة

  • الألم الجسدي قد يكون لغة بديلة للتعبير النفسي المكبوت.
  • على الأخصائي الاجتماعي أن يمتلك مهارات التقييم النفسي الاجتماعي الحيوي المتكامل.
  • التكامل بين الفريق الطبي والنفسي والاجتماعي هو ما يصنع الفارق في تعافي المريض.

🔹 دعوة للتفاعل

هل مررت بحالات طبية تركت أثرًا عميقًا عند تعاملك معها؟ شاركنا تجاربك في التعليقات 👇

📚 المراجع

  • ريزو، ف. م، وسيدمان، أ. (2017). ممارسة العمل الاجتماعي الطبي في المستشفيات: تأملات نقدية واتجاهات مستقبلية. العمل الاجتماعي في مجال الرعاية الصحية, 42(3), 145–158.
  • الجمعية السعودية للخدمة الاجتماعية الصحية (2022). دليل الأخصائي الاجتماعي الطبي. الرياض: وزارة الصحة.
  • صليبي، د. (2006). منظور نقاط القوة في ممارسة العمل الاجتماعي. بوسطن: ألين وبيكون.

تعليقات

  1. يعطيك العافية / فعلا احيانا تصير الصدمة ويظن الشخص المتأثر بها " انو عدت" لعدم ظهور اعراض عليه في وقت الصدمة ، لكن بمرور الايام وقد تكون سنوات، تظهر عليه آلام جسدية يكون مصدرها امر نفسي، وخصوصا لو التجربة جديدة والعمر حساس ! اعرف مقربة لي توفى اخوها بعمر الخامسة عشر بحادث دهس ثم خالها بعد ثلاثة اشهر بحادث مؤلم ايضا ،والمشترك بينهم حصول الوفاة فجأة وطريقة ابلاغها بالوفاة طريقة تفتقر للحكمة ، ظنت ان التعبير عن الحزن مثل الطريقة المتعارف عليها البكاء او الصراخ مثلا ، لكن لانها شخصية تميل للكتمان فكان طريقة تعبيرها عن الحزن بالانسحاب والصمت ، وبعد مرور سنوات ذُكر الموت عندها فبدأت رحلة نوبات الهلع ، لم تكن المشكلة في الموت ! وإنما ماتشكل في ذهنها عن الموت ..

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فن المقابلة المهنية: كيف تبني علاقة ثقة قوية في أول 10 دقائق؟

5معضلات تواجه الأخصائي الاجتماعي في العمل الميداني: فن اتخاذ القرار الأخلاقي ⚖️

الممارسة العامة في الخدمة الاجتماعية: إطار عمل تكاملي في التدخل المهني